الشيخ السبحاني
8
بحوث في الملل والنحل
وليست قصة ذي الخويصرة وحيدة في بابها ، فقد حدثت حوادث وكوارث في زمانه كادت تفرّق الأُمّة ولكنّه صلى الله عليه وآله وسلم قضى عليها بعلمه وحلمه وحكمته ، ولا يقصر حديث الإفك « 1 » عن قصة ذي الخويصرة ، أو قعود بعض الصحابة عن الخروج مع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم في جيش العسرة ، أو ما حدث في أيّام مرضه ، حيث طلب دواة وقرطاساً حتى يكتب كتاباً لا تضل الأُمّة بعده ، فخالف بعضهم ، ووافق البعض الآخر ، فقضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الاختلاف وقال : « قوموا عنّي ، لا ينبغي عندي التنازع » « 2 » . إلى غير ذلك من حوادث مريرة في عصر الرسالة ، فقد استقبلها القائد الكبير برحابة صدر في غزواته وفي إقامته في المدينة . وقد كانت وحدة الأُمّة الإسلامية رهن قائد مطاع معصوم ، لا يخضع لمؤثرات الهوى ، وتكون الأُمّة مأمورة باتّباعه قال تعالى : « وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً » ( الأحزاب - 36 ) . ولئن تفرقت الأُمّة إلى فرقتين أو أكثر فإنّما تفرّقوا بعد رحيله ، وسرُّ الاختلاف يكمن في تناسي الأُمّة الإمام المعصوم الذي نصبه النبي مرجعاً عند الخلاف ، غير أنّ المهتمّين بأمر الرسول ونصوصه تعلّقوا به تعلّقاً دينياً ولأجل ذلك قلّ الاختلاف بينهم أو لم يتحقق إلى عصر الصادقين عليهما السلام وما يذكر من الفرق في عهدهما ، لا صلة لهم بالإسلام فضلًا عن التشيّع وإنّما كان التفرّق آنذاك ارتداداً عن الإسلام وخروجاً عن الدين كما سيتضح .
--> ( 1 ) . اقرأ تفصيل القصة وتشاجر الحيّين : الأوس والخزرج في مسجد النبي بحضرته في صحيح البخاري : 5 / 119 باب غزوة بني المصطلق ، والسيرة النبوية : لابن هشام : 3 / 312 . وذكرها الشهرستاني في الملل والنحل في فصل بدايات الخلاف : 1 / 21 . ( 2 ) . لاحظ صحيح البخاري : 1 / 22 ، كتاب العلم ، و 2 / 14 ، والملل والنحل : للشهرستاني : 1 / 22 عند البحث في بدايات الخلاف .